أخبارنا

مصطفى أمين عامر يكتب: من أين تأتي أموال داعش ؟

 

مصطفى أمين عامر

تشكل شبكة تنظيم داعش المالية أحد أهم مصادر قوته والتى لازالت تساعده على التعايش والبقاء والاستمرار بالرغم من إنهيار جغرافية دولته المزعومة،وقد أستطاع  بهذة الشبكة أن يتمايز على كافة تقاطعات جماعات السلفية الجهادية العنيفة بتنويع مصادر تمويله أثناء دولته ثم الإستفادة منها فى عملياته الحالية بعد إنهيارها بل وإستحداث مصادر جديدة للتمويل تعتمد بشكل أساسي على معطيات نفوذه المتنوعة داخل بعض المناطق التى لا زال يتمتع فيها بسيطرة كبيرة خاصة فى بنغلاديش والعراق والصومال والفلبين وغرب وشمال أفريقيا ووسط اسيا .

وقد أعطى التنوع المالى مرونة وأسعة للتنظيم فى تحقيق بعضاً من الإكتفاء الذاتى  الذى ساعده على الاستمرار في القتال وتمويل عملياته الإرهابية ومقاومة الجهود الدولية التى تحول عرقلة وتعقب  مصادره المالية وفرض عقوبات على الأفراد والكيانات التي تتورط في تقديم تسهيلات مالية له واتخاذ إجراءات قانونية حيالهم   بوضعهم على قوائم العقوبات الجنائية الدولية.

وتعتمد الشبكة المالية لتنظيم داعش على  الإستفادة من الوفرة المالية التى تحققت له من مصادره الإقتصادية خلال فترة سيطرته على أجزاء واسعة من العراق وسوريا مابين عامى 2014م و2017م وإعادة تدويرها خلال فترة الإنهيارات المتتالية لمعاقله خلال عامى 2017م 2018م بل وإستحدث موارد جديدة من خلال عدد من الآليات التقليدية وغير التقليدية والى مكنته من الحفاظ على بقاءه وإستمرار قدرته على إحداث حالة تهديد للأمن والسلم العالمى 

هذا الامر هو ما يدفعنا الى التسأل حول قدرات التنظيم المالية  وكيفية إستفادته من  مصادر تمويله المؤسسة لبنيته المالية قبل جغرافية الدولة وبعدها والشبكة الإقتصادية المستحدثة الممولة للعنف الداعشي حاليا بعد إنهياردولته والسيناريوهات المستقبلية للشبكة المالية العنكبوتية للتنظيم ومدى قدرته على الاستمرار لفترات أطوال في القتال والمواجهة .

أولاً: مصادر التمويل المؤسسة للبنية المالية لتنظيم داعش قبل وبعد الدولة

أعتمد تنظيم داعش فى بداياته على مصادر تمويل تقليدية شكلت البنية المؤسسة لشبكته المالية والتى أعتمدت بشكل أساسي على  أموال الصداقات والتبرعات والزكاة حيث عملت المنابر والقنوات الإعلامية الموالية له  خلال أعوام 2011م-2012م-2013م-2014م على تشجيع المسلمين على توجيه أموال الزكاة والتبرعات والصدقات لتأييد الجهاد والمقاومة في العراق ثم فى سوريا، وهي الأموال التي اتجهت بصورة مباشرة الى دولة العراق الإسلامية التى تحولت فى 2014م الى الدولة الإسلامية فى العراق وبلاد الشام "داعش".

 وقد كشف التقرير السنوي عن الإرهاب في دول العالم لعام 2014م الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية عن أن داعش تحصل على تمويل مالى من 31 دولة حول العالم من إبرزها  باكستان، والجزائر، وتركيا، ولبنان، وغانا، والسودان، وبريطانيا، والسويد، وهولندا، وأستراليا، والسنغال، وتايلاند، وبنجلاديش، وبعض دول الخليج وذلك عبر شبكة واسعة من الشركاء المحليين بتلك الدول والذين يسجلون حركة هذة الأموال  عبر شركات ومكاتب وأسماءوهمية ،تمارس من خلالها أنشطة دعم الإرهاب خلف  ستار قانوني وشرعي.

وعقب إعلان خلافته فى يونيو 2014م أوجد التنظيم لنفسه نظام تمويل مالى معقد ومتنوع،بدأ بسيولة مالية بلغت 2 مليار دولار، منها  429مليون دولار حصل عليها من البنك المركزي في الموصل و200مليون دولار من بنوك الموصل الاخرى  بالاضافة الى كميات  كبيرة من السبائك الذهبية قدرت قيمتها بـ  400مليون دولار بالاضافة الى 150 مليون دولار تم الحصول عليها كـ"فِدًى" عن تحرير الأجانب المختطفين من  المواطنين والموظفين الدوليين، والصحفيين الغربيين.

 وسرعان ما أتسعت شبكة تمويلات داعش لتتحول الى مؤسسات إقتصادية كاملة يشرف عليها ويديرها ما أطلق عليه التنظيم (ديوان بيت مال المسلمين)  وهي التسمية الإسلامية التاريخية للمؤسسة المالية، التى أحكمت سيطرتها على على الموارد الاقتصادية داخل جغرافية الدولة الداعشية واستولت على عوائد الثروات الطبيعية من المعادن والنفط والغاز،والزراعية  بعد سيطرته على مايقارب 40% من الأراضي الزراعية في العراق بالاضافة الى الضرائب والرسوم والأموال الحكومية وعائدات المواد الغذائية المصادرة وعوائد غرامات ديوان الحسبة الذى أعتبر من اغنى الدواوين المالية لدى داعش.

كما شكل  ديوان العقارات الذى أستحدثه التنظيم مورد مالى كبير للتنظيم حيث نظم عمليات البيع والشراء للعقارات في المدن والقرى ، وكانت تدفع له مبالغ مالية كأجور معاملات، كما أنه  كان المسئول عن جمع الضرائب من المحلات والبيوت ومصادرة البيوت التي تركها اصحابها لصالح التنظيم كما ساهم ديوان الركاز المختص بإدارة المنشآت وحقول  النفط فى العراق وسوريا، فى توفير مورد مالى هائل لداعش من خلال تشغيل حقول النفظ والغاز، والاستيلاء عليها وإعادة بيعها بشكل غير قانوني عبر وسطاء الى تركيا وايران ، وفي عام 2014م كشفت وثيقة داعشية  عن  أن العائدات النفطية للتنظيم ترواحت مابين 1 الى 3مليون دولار يوميا.

كما استحدثت داعش بديوان الركاز، قسماً خاصاً بمعامل الأسمنت، لتزيد موارد التنظيم عبر التجارة فيه والتى قدرها بعض الخبراء، بأنها تدر على التنظيم وحدها، حوالى 200 ألف دولار يومياً بالاضافة الى عوائد الموارد والسلع من الأماكن المسيطر عليها: من مستشفيات، ومراكز تسوق، ومطاعم، ومرافق الكهرباء والمياه والتى قدرت عوائدها بعشرات الملايين شهرياً  كما شكلت أموال  الجزية التى فرضت على غير المسلمين مورد مالى يدر ملايين الدولارات شهرياً للتنظيم كما أن عمليات النهب للقطع الأثرية من قبل داعش وفرت له مئات الملايين من الدولارات بعد أن تم بيعها وتهريبها للخارج عبر تركيا. 

وبالنظر الى هذة المصادر المالية المؤسسة الهائلة نجد أن التنظيم أستطاع من خلالها تكوين شبكة إقتصادية معقدة كونت بنية مالية ساعدته على الإستمرار لأكثر من 4سنوات داخل الجغرافيا العراقية السورية ثم التمدد خارجها منذ 2017م من خلال كسب ولاءات جديدة حول العالم والإستفادة من إعادة تدوير هذة الأموال فى الحفاظ على بقاءه وإنتشاره مجدداً. 

ثانيا: الشبكة الإقتصادية المستنسخة الممولة للعنف الداعشي بعد إنهيارجغرافية التنظيم 

مع بداية عام  2017م إستشعر داعش بإقتراب العد التنازلى لإنهيارجغرافية التنظيم فبدأ فى تكوين شبكة مالية مستنسخة من نظامه المالى السابق لكنها  تتميز  بالقدرة التشغيلية للأموال السائلة التى حصل عليها من موارده السابقة والتى أعاد تدويرها فى تعاملات مالية متنوعة حققت له  إيرادات منتظمة خلال عامى 2018م و2019م وأستخدمها  فى تمويل أنشطة إرهابية متنوعة وفق معطيات جديدة ساعدته على الأكتفاء والاستمرار في القتال والمواجهة و الحفاظ على أوضاعه التى أكتسبها داخل المنظومة الجهادية العالمية.

كما أستطاع التنظيم  إيجاد موارد مالية متنوعة فى مناطقه الجديدة وخاصة فى دول الغرب الإفريقي من خلال سيطرته على طرق التجارة وفرض الإتاوات على مهربي السلع والمخدرات والأسلحة وتجارالبشر، والإستيلاء على المراعي من الحكومات وتقديمها  كمراعي آمنة للرعاة مقابل المال، وبذلك يكون داعش قد أمن لعناصره الموارد المالية المستقبلية من خلال بتدوير موارد القديمة وإستحداث موارد جديدة عبر إدارة واحدة يقودها رأس التنظيم ومجلسه العسكرى والشرعي ، ويمكن تحديد مسارات هذة  الشبكة الإقتصادية الممولة للعنف الداعشي بعد إنهيار دولته والتى أمنت له العودة حاليا وربما الإستمرارمستقبلاً فيما يلي :

غسيل الأموال من خلال الاستثمار في أعمال مشروعة فى العراق وسوريا والتى تم أكتشافها بعضها بعد عدة مداهمات أمنية على شركات مصرفية في بغداد وأربيل كانت تقوم بإستثمار ملايين الدولارات من عائدات تنظيم داعش فى شركات عقارية وفنادق وتوكيلات سيارات.

المنظمات الخيرية التى لازال التنظيم يستخدمها ك"واجهة" لتمرير أمواله إلى خلاياه حول العالم ؛ والتى تبدأ بجمع التبرعات لصالح جمعية خيرية والتى تقوم بدورها بإرسالها الى داعش من خلال  أفراد يحملون أسماء مستعارة عبر  مواقع المراسلة والتواصل الإجتماعي كفيسبوك وواتساب وماسنجر وتليجرام  .

 انتاج وسائط رقمية تظهر قوة التنظيم وانتشاره رغم هزيمته فى العراق وسوريا وتجدد قدراته فى شن العمليات  لجذب مانحين جدد عبر العالم  من أصحاب الأفكار المتشددة سواء داخل المنظمات  الجهادية او المؤسسات الخيرية او الشركات عابرة للحدود .  

تحفيز خلايا داعش النائمة على التوسع فى عمليات الاختطاف والابتزاز مما يساعد التنظيم على توفير موارد مالية لتمويل عملياته خاصة فى المناطق البعيدة والتى تصعب فيها حركة الأموال السائلة .

توسيع قاعدة الأفراد والكيانات التي تقدم  تسهيلات مالية لدعم التنظيم من خلال إستقطاب "بيعات" جديدة وجذب كافة المجموعات المتطرفة الصغيرة حول العالم وإستخدمها فى تنفيذ إيدلوجيته المالية والإرهابية.

العملات  الرقمية المشفرة والتى  استطاع التنظيم ان يجدد دمائه التمويلية  من خلال إستغلال العالم الافتراضي ووسائط الإنترنت التى تنشط فيهما حركة هذة العملات وعلى رأسها بتكوين  وزكاش ومونيرو وإثيريوم والتى توفر تقنيات إخفاء الهوية وتحجب المعاملات والأطراف المعنية في تلك المعاملات وهو الامر الذى يريده التنظيم الإرهابي ويساعده على جذب المزيد من التبرعات والمنح المالية ٌ وقد أصدرت داعش وثيقة بعنوان “بيتكوين وصدقة الجهاد” حددت  فيها الأحكام الشرعية لاستعمال هذه العملة الافتراضية التي “تمثل حلا عمليا للتغلب على الأنظمة المالية للحكومات “الكافرة”. حسب الوثيقة وكيفية استخدام هذه العملة الافتراضية وإنشاء الحسابات المالية على الإنترنت، ونقل الأموال دون لفت انتباه أحد.

وبالنظر الى هذة المصادر المالية المستنسخة التى خلقها داعش من  نظامه المالى السابق وتمتعت بقدرة تشغيلية هائلة مع إيجاد موارد مالية متنوعة فى مناطقه الجديدة يكون التنظيم قد نجح حتى الان فى التعاطى مع المعطيات الجديدة التالية لسقوط دولته  وحقق بعضاً من الأكتفاء الذى يساعده على القيام بعملياته حاليا وربما مستقبلاً.

ثالثاً:السيناريوهات المستقبلية للشبكة المالية العنكبوتية لتنظيم داعش

 بعد أن أستطاع تنظيم داعش أن يخلق لنفسه حالة جهادية إرهابية متفردة تمايز بها على كافة تقاطعات جماعات السلفية الجهادية العنيفة أستطاع ايضا أن يؤسس  لنفسه شبكة مالية عنكبوتية معقدة لازالت تشكل مصدر رئيس لنفوذه وقوته وهو الامر الذى يصعب من التنبؤ بمستقبل هذة الشبكة التى لاتزال تساعده على التعايش والبقاء والاستمرار ولكن وبشكل عام يمكن وضع عدة سيناريوهات لمستقبل هذة الشبكة والتى تتمثل فيما يلى:

السيناريو الأول: تضخم وتشعب شبكة داعش المالية

 وذلك من خلال زيادة قدرات التنظيم على تحصين حركة ومسارات شبكته المالية بعمليات إحترافية بواسطة أشخاص وكيانات تمتلك تقنيات إخفاء وحجب المعاملات المالية وإيجاد بدائل مبتكرة تشتت جهود المجتمع الدولى فى مكافحة عمليات تمويل التنظيم الإرهابي.

 السيناريو الثانى:تجفيف منابع شبكة داعش المالية

وذلك من خلال تشديد إجراءات الرقابة  القانونية  على كل المصادر المالية المشتبه فى دعمها للتنظيم ووقف وعرقلة حركة هذة الأموال والكشف عن الحيل التلاعبية  التي يقوم بها الممولون من أجل إيصال الأمول الى التنظيم، واتخاذ إجراءات قانونية حيال الأشخاص والكيانات الداعمة له ووضعهم على قوائم العقوبات الدولية.

السيناريو الثالث:الإنحسارالإيدلوجي للتنظيم وفشل منظومته المالية

وذلك من خلال القضاء على حواضنه الفكرية وقياداته التنظيمية والقضاء على الطائفية فى الدول التى يتغذى التنظيم على تأجيجها لتوسيع إنتشاره والتركيز على تنمية المناطق المهمشة والفقيرة التى يجدد فيها التنظيم وجوده مستغلاً العوامل والاجتماعية والسياسية والإقتصادية المعقدة والمركَّبة بها.

مما سبق يمكن الوصول الى الإستخلاصات التالية حول شبكة تنظيم داعش المالية والتى يمكن تلخيصها فيمايلى:

 أن داعش لازال يستفيد من مدخرات المصادر المالية التى حصل عليها أثناء سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا والتى أكسبت التنظيم مرونة وأسعة التحرك العملياتى حالياً وحققت له  بعضاً من الإكتفاء الذاتى  الذى ساعده على الاستمرار في القتال وتمويل عملياته الإرهابية ومقاومة الجهود الدولية التى لم تنجح حتى الان فى القضاء والتعقب الكامل على تلك الأموال .

عدم وجود إستراتيجية دولية موحدة وأكثر فعَّالية لإضعاف "داعش" مالياً هى التى سمحت للتنظيم بتكوين شبكة مالية عنكبوتية أعادة تدوير أمواله مما سمح له بإعادة تموضعه داخل جغرافيا جديدة وكسب مزيد من الوقت لتجديد دماء عناصره ومبايعيه.

عدم نجاعة الأساليب التقليدية فى جمع المعلومات عن الشبكات المالية لداعش، وهو ما يسمح للتنظيم بإستغلال الأوضاع المحلية غسيل أمواله بالاستثمار في أعمال مشروعة فى العراق وسوريا وتركيا .

 ضرورة تكوين شراكات قوية مع الحكومات المحلية والإقليمية والدولية ، وتعزيز التعاون الاستخباراتي والمعلوماتى لمنع التنظيم من تطوير قدراته التشغيلية لموارده السابقة ومحاولاته المتجددة لإيجاد موارد مالية متنوعة فى مناطقه الجديدة .

 لازال تنظيم داعش يتمتع بقدرات كبيرة على تحصين حركة ومسارات شبكته المالية بل ويوجد لنفسه بدائل مبتكرة وهو ما يعوق جهود المجتمع الدولى فى مكافحة عملياته الإرهابية المستمرة.

ضرورة تشديد إجراءات الرقابة  على كافة المصادر المالية المشتبه فى دعمها لداعش ووقفها، واتخاذ إجراءات قانونية حيال الأشخاص والكيانات الداعمة للتنظيم  ووضعهم على قوائم العقوبات الدولية.

·         مقال يكتبه – مصطفى أمين عامر، باحث متخصص فى شئون الجماعات الإسلامية

ليست هناك تعليقات